كانت احتفاليةً من نور وضياء، وهذه الأرض الطيبة المعطاء تروي للعالم من جديد قصة الإنسان الذي ارتبط بها وانصهر داخلها، ومن ترابها صنع أعظم الحضارات، وقدم للبشرية جلائل الأعمال.
مناسبة تُذكّر العالم بأن الإنسان على هذه الأرض أقدم بكثير مما يتصورون، فتاريخها لم يبدأ بالنفط أو الثروة، بل هو قصة تُروى عن مكابدته شظف العيش، وما مرّ به في زمن «الزغنبوت»، وملحمة الذين غاصوا في أعماق البحار لإخراج لآلئه، ومنهم من لم يخرج معها. أولئك الرجال الذين جابوا القفار والبحار، وتصدّوا بأيديهم العارية لأعتى الغزاة. إنها قصة الإنسان هنا.
فليست كل الأرض صامتة، بعضُها يحتفظ بذاكرة أعمق من الكلمات، وحين يُتاح لها أن تنطق، تُعيد ترتيب التاريخ، وتدفع الإنسان إلى مراجعة مسلّماته. هذا ما فعلته «الفاية» في الشارقة، حين انتقلت من موقعٍ أثري إلى شهادةٍ عالمية، بإدراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بحضور ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة.
في كلمته، خلال الاحتفالية الخاصة بالمناسبة، لم يتعامل سموه مع الحدث بوصفه إنجازاً إدارياً أو تكريماً دولياً فحسب، بل باعتباره لحظة وعي إنساني. «الفاية»، كما قال سموه، ليست حجارةً صامتة، بل «صفحات حيّة من كتاب الإنسان»، تحكي قصة أول حضور بشري في هذه الأرض، وكيف واجه الإنسان بيئته، وصنع من التجربة معرفة، ومن الصبر حكمة، ومن التحدي بناءً.
الأهمية الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن في الاعتراف الدولي وحده، بل في المعنى الذي يحمله: إعادة رسم خريطة الهجرة البشرية. فالأدوات الحجرية التي تجاوز عمرها مئتي ألف عام كسرت واحدةً من أقدم المسلّمات العلمية، وأثبتت أن الجزيرة العربية لم تكن مجرد ممر عابر، بل كانت موطناً مبكراً للاستقرار والعيش. هنا، قالت الأرض كلمتها، وكما أكّد سموه: الأرض لا تكذب حين تنطق بالعلم.
اللافت في خطاب سموه ربطه العميق بين التراث والمستقبل. فالمواقع التاريخية، في نظره، ليست ذاكرة جامدة، بل مدارس مفتوحة، تحفظ علماً متراكماً، وتمنح الأجيال فهماً أعمق لهويتها ودورها. حماية التراث ليست استدعاءً للماضي، بل تأسيسٌ واعٍ للمستقبل، لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد أو بناء الإنسان.
إدراج «الفاية» هدية جديدة تقدمها هذه المنطقة للبشرية، نافذة تطل منها على ماضٍ يعيد تعريف الحاضر. وهو أيضاً تذكير بأن الحضارات لا تنمو في العزلة، بل في التواصل والتكافؤ، وأن المعرفة الصادقة عابرة للزمن.
حين تنطق الأرض، يصبح واجبنا أن نصغي… وأن نصون.


